الشيخ محمد رشيد رضا
396
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أولاده وهم في صور الذر ، فأخذ عليهم الميثاق انه خالقهم وانهم مصنوعون ، فاعترفوا بذلك وقبلوا ، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبل عقلا حين خوطب ، وكما فعل ذلك بالبعير لما سجد ، والنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت وقال الجرجاني : ليس بين قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ان اللّه مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريّته » وبين الآية اختلاف بحمد اللّه لأنه عز وجل إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته لأن ذرية آدم ذرية لذريته بعضهم من بعض . وقوله تعالى ( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) أي عن الميثاق المأخوذ عليهم ، فإذا قالوا ذلك كانت الملائكة شهودا عليهم بأخذ الميثاق قال : وفي هذا دليل على التفسير الذي جاءت به الرواية من أن اللّه تعالى قال للملائكة : اشهدوا فقالوا شهدنا . قال : وزعم بعض أهل العلم أن الميثاق انما اخذ على الأرواح دون الأجساد ، ان الأرواح هي التي تعقل وتفهم ولها الثواب وعليها العقاب ، والأجساد أموات لا تعقل ولا تفهم . قال : وكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى ، وذكر انه قول أبي هريرة . قال اسحق : وأجمع أهل العلم انها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم وأشهدهم ، قال الجرجاني : واحتجوا بقوله تعالى ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ ) والأجساد قد بليت وضلت في الأرض ، والأرواح ترزق وتفرح ، وهي التي تلذ وتألم ، وتفرح وتحزن وتعرف وتنكر ، وبيان ذلك في الأحلام موجود ، ان الانسان يصبح وأثر لذة الفرح وألم الحزن باق في نفسه مما تلاقي الروح دون الجسد قال : وحاصل الفائدة في هذا الفصل انه سبحانه قد أثبت الحجة على كل منفوس ممن يبلغ وممن لم يبلغ بالميثاق الذي اخذه عليهم ، وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم وبالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين ، وبالمواعظ بالمثلات المنقولة إليهم اخبارها ، غير أنه عز وجل لا يطالب أحدا منهم من الطاعة الا بقدر ما لزمه من الحجة وركب فيهم من القدرة وآتاهم من الأدلة ، وبيّن سبحانه ما هو عامل في البالغين الذين أدركوا الأمر